حيدر حب الله

393

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

والمثال الأشهر لهذه القاعدة التوثيقيّة عندهم هو الورود في أسانيد كتاب نوادر الحكمة في قسم المستثنى منه ، حيث صحّح ابن الوليد وأبو العباس ابن نوح والصدوق هذه الروايات ، فيُحكم بصحّتها ، ووثاقة رواتها . ومن الأمثلة المشهورة تصحيحاتُ العلامة الحلّي والشهيد الأوّل للأسانيد ، حيث كان يُنْظَر في ذلك ليستفاد توثيق الرواة الواقعين في السند . لكنّ الصحيح - بصرف النظر عن مثال نوادر محمّد بن أحمد بن يحيى الذي بحثناه سابقاً - أن يقال : إنّ المصحِّح : أ - إذا كان من المتأخّرين كابن طاوس والعلامة الحلّي ومَن بعده ، فإنّ تصحيحه لا يزيد على التصريح بالتوثيق والتعديل ، وقد تقدّم أنّ تقويمات المتأخّرين لا اعتبار بها ، إلا على مثل مسلك حجيّة الوثوق والاطمئنان فتكون أمارة ناقصة وضعيفة كما قلنا . ب - وأما إذا كان من المتقدّمين ، فلا يؤخذ بتصحيحهم ؛ لما بحثناه مفصّلًا في مواضع عدّة أبرزها كتابنا « نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي » من أنّ منهج المتقدّمين كان متنوّعاً ، لا يعتمد فقط على ملاحقة حال الرواة وإثبات وثاقتهم أو عدالتهم بالضرورة ، بل قد يكون لتعدّد طرق الرواية ومصادرها وتحليل مضمونها وما شابه ذلك دورٌ كبير في التصحيح ؛ لأنّهم كانوا يسيرون بشكلٍ أكبر وفقاً لنظريّة الوثوق ، وهذا كلّه بصرف النظر عن إشكاليّة أصالة العدالة التي أثارها السيد الخوئي هنا « 1 » ، وسبق أن تحدّثنا عنها بالتفصيل فلا نعيد . نعم ، المسألة تتبع منهج العالم الذي قام بتصحيح الحديث ، فإذا أثبتنا أنّه كان يرى - ولو خلافاً لمنهج المتقدّمين - أنّ العبرة في صحّة الرواية بوثاقة رواتها فقط ، وأنّه لا يمكن تصحيحها أو الاعتماد عليها في الفتوى أو القول عنها بأنّها معتبرة أو حجّة أو غير ذلك إلا

--> الحديث 1 : 59 . ( 1 ) انظر : معجم رجال الحديث 1 : 70 - 71 .